جيرار جهامي ، سميح دغيم
3335
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
فقد بنى تلك الاستحالة على أساس غير الأساس الذي ترفضها عليه الوضعية المنطقية ؛ فبينما الوضعية المنطقية ترفضها على أساس أن عبارتها ليست من الكلام المفهوم عند المنطق ومعاييره ، نرى « كانت » يرفضها على أساس أن العقل البشري بحكم طبيعته لا يستطيع الحكم إلّا على ظواهر الأشياء ، وأنه إذا ما غامر في مجال « الأشياء في ذاتها » وقع في المتناقضات . وعلى ذلك فاستحالة المعرفة الميتافيزيقية عنده حقيقة نفسية وليست هي بالاستحالة المنطقية كما يرى المذهب الوضعي المنطقي ؛ هي عند « كانت » حقيقة نفسية بمعنى أنه لو كان الإنسان على غير ما هو عليه في إدراكه للأشياء ، لأمكن ألا تكون المعرفة الميتافيزيقية مستحيلة ؛ هي مستحيلة الآن لأن العقل الإنساني لم يخلق لإدراكها ، كما لم تخلق العين لسماع الأصوات . أما أصحاب المذهب الوضعي المنطقي فيبنون استحالة الميتافيزيقا على أساس أن أقوالها فارغة من المعنى بحكم ما اتّفقنا عليه في طرائق استعمال اللغة ؛ إنها أقوال لا تصف شيئا هنا أو هناك ، بحيث يجوز لنا أن نسأل أيمكن حقّا أن يدرك الإنسان هذا الشيء أم أن إدراكه مستحيل عليه . ( زكي نجيب محمود ، الميتافيزيقا ، 51 ، 3 ) . - نشأت الميتافيزيقا من غلطة أساسية . . . وهي الظن بأنه ما دامت هناك كلمة في اللغة ، فلا بدّ أن يكون لها مدلول ومعنى ؛ وكثرة تداول اللفظة ، ووجودها في القواميس يزيد الناس إيمانا بأنها يستحيل أن تكون مجرّد ترقيم أو مجرّد صوت بغير دلالة ؛ لكن التحليل يبيّن لك أن مئات من الألفاظ المتداولة والمسجّلة في القواميس هي ألفاظ زائفة ، أو هي « أشباه ألفاظ » كما يسمّيها رجال الوضعية المنطقية . وما أشبه الأمر هنا بظرف يتداوله الناس في الأسواق مدّة طويلة على أنه يحتوي على ورقة من ذوات الجنيه ، حتى يكتسب الظرف قيمة الجنيه في المعاملات ، وبعدئذ يجيء متشكّك ويفضّ الظرف ليستوثق من مكنونه ومحتواه ، وإذا هو فارغ وكان ينبغي أن يبطل البيع به والشراء ، لو تنبّه الناس إلى زيفه من أول الأمر . ( زكي نجيب محمود ، الميتافيزيقا ، 105 ، 3 ) . * في الفكر النقدي - إن الميتافيزيقيا تضع هدفا لنفسها هو اكتشاف المبدأ الأخير الذي يحكم الكون في جمعه ، أي ردّ العالم إلى علّة أصلية ، أو بعبارة أخرى البحث عن « الحقيقة المطلقة » . وبالتالي لا تهتمّ الميتافيزيقيا بالحقائق الجزئية التي يمكن التوصّل إليها من خلال البحث العلمي المتخصّص في مختلف مجالات العلوم الاختبارية . بعبارة أدقّ لا تهتمّ بهذه الحقائق إلّا في حدود إمكان استخدامها في كشف المبادئ الأخيرة والعلّة الأصلية . مرة أخرى لا بدّ هنا من العودة إلى التمييز بين الميتافيزيقيا والفلسفة . فليست الميتافيزيقيا مرادفا للفلسفة بشكل عام . وعدم التمييز بينهما - وهو أمر شائع في الفكر السائد عندنا - لهو إلّا دليل على